الثلاثاء 13 رَمضان 1447هـ 3 مارس 2026
موقع كلمة الإخباري
حين تختلّ البوصلة… وتتكشّف الشاكلة
الشيخ مقداد الربيعي
2026 / 03 / 03
0

المتأمّل في بعض مشاهد واقعنا المعاصر قد يقف حائرًا أمام صورٍ لا يُصدّقها عقلٌ سليم:

مسلمٌ يندفع بعاطفةٍ عمياء ليؤذي رجلًا لأنّه ظنّه من “الخصوم”، فإذا تبيّن له أنّه من جهةٍ أخرى انقلب فجأةً إلى الترحيب والمساعدة!

ونائبٌ من أبناء أمة الإسلام يطالب بفتح الأجواء وتمكين القوى من قصف بلدٍ مسلم!

وجماعاتٌ تُظهر الشماتة والفرح عند سماع خبر اغتيال أو مقتل شخصيةٍ مسلمة، بينما يثقل صدرها إذا سمعت خبرًا يسرّ المسلمين أو يرفع عنهم ظلمًا!

ثم ترى من يهوّن من مأساة المظلومين، ويبحث عن كلّ تأويلٍ لتبرير العدوان، حتى كأنّ الظلم فضيلةٌ تُدافع عنها الأقلام!

فكيف نفهم هذه التناقضات؟

وهل تُختزل كلّها في مصالح ماديةٍ وأغراضٍ شخصيةٍ بحتة؟

لا شكّ أنّ “المصلحة” قد تُفسّر بعض مواقف الأفراد؛ فقد يخرج من يلمّع فسادًا، ويُجمّل ظلمًا، ويعيد طلاء الباطل بألوانٍ براقة حفاظًا على مكسبٍ أو مكانة. لكنّ العجب كلّ العجب حين ترى الميل إلى نصرة الظالم ضد المظلوم يتجاوز الأفراد إلى ظواهر واسعة، وكأنّ المعايير تنقلب، والميزان يختلّ، والبوصلة تُكسر!

هنا يبرز سؤالٌ أعمق من الحسابات السياسية والاقتصادية:

هل الإنسان حرّ الإرادة تمامًا في خياراته؟ أم أنّ “سريرته” — طهارةً أو خبثًا — تُلقي بظلالها على اختياراته ومواقفه؟

الشاكلة: البوصلة الداخلية التي تلوّن القرار

القرآن الكريم يفتح لنا بابًا لفهم هذا المشهد بوضوحٍ بليغ، حين يقرر قاعدةً جامعة في السلوك الإنساني: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ (الإسراء: 84)

والشاكلة هي: الهيئة الباطنة، والطريقة الراسخة، والميل المتكوّن في النفس؛ فهي ليست “قيدًا” يُسقط الاختيار، لكنها “اتجاهٌ” يؤثر في القرار:

من صلحت سريرته مال إلى العدل والإنصاف وإن خالف هواه، ومن فسدت سريرته مال إلى الهوى وإن خالف الحقّ.

ويؤكد القرآن هذا المعنى بصورةٍ حسيةٍ قريبة: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾ (الأعراف: 58)

فكما أنّ الأرض الطيبة تُنبت خيرًا، فإنّ النفس الطيبة تُثمر عدلًا ورحمةً وبصيرة؛ وكما أنّ الأرض الخبيثة لا تُخرج إلا نباتًا نكدًا، فإنّ النفس الملوّثة قد تُخرج مواقف مشوّهة… ولو تزيّنت بالشعارات.

هل يعني ذلك أن الإنسان “مجبور”؟

لا. والقرآن لا يقول بالجبر.

الإنسان يختار، لكنه لا يختار في فراغ؛ بل يختار داخل قلبٍ يتأثر بما يكرره ويألفه، وبما يطعمه من أفكارٍ ومشاعر، وبما يفتح له من أبوابٍ ويغلق.

ولهذا يحذّر القرآن من أثر التراكم؛ فالذنوب والمواقف المنحرفة لا تبقى “حادثة عابرة”، بل قد تصير طبعًا إذا تكررت دون توبة ومراجعة: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (المطففين: 14)

فالران ليس نزولًا مفاجئًا، بل طبقةٌ تتكوّن “مما كانوا يكسبون”: من أعمالهم، وكلماتهم، ومواقفهم، وميلهم المتكرر.

ومن هنا نفهم: قد يُبصر المرء الحقّ واضحًا ثم يختار خلافه؛ لا لأنّ الحق خفيّ، بل لأنّ القلب حين يعتاد الانحراف يأنس به، وحين يعتاد تبرير الظلم يراه “وجهة نظر”، وحين يعتاد تصنيف الناس على أساس الهوى لا على أساس العدل يضيع منه الميزان.

انقلاب المفاهيم… حين يتبدّل معيار الولاء

من أخطر ما يواجه الإنسان في تعامله مع الآخرين أن تتحوّل العلاقات من “ميزان الحق” إلى “ميزان الهوى”:

يحبّ لأنّ فلانًا معه، ويبغض لأنّ علانًا ضده، ويبرّر لأنّ المبرَّر قريبٌ من مزاجه أو حزبه أو بيئته، ويستنكر لأنّ المستنكَر بعيدٌ عنه… لا لأنّ الحق حقّ والباطل باطل.

وهنا يبرز ميزان القرآن الصارم في منع الركون إلى الظلم وتبريره، أيًّا كان صاحبه: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ (هود: 113)

ويأمرنا أن يكون معيارنا هو العدل لا الانتماء، والحق لا العصبية: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ…﴾ (النساء: 135)

فالقرآن لا يرضى أن تُدار المواقف بالانفعال، ولا أن تُصاغ الأحكام بالشماتة، ولا أن تُستباح حقوق المظلومين بلسان التأويل والتبرير.

الخلاصة: إذا رأيت الميل للظلم… ففتّش عن القلب

وعودًا إلى تلك المشاهد المؤلمة: حين ترى إنسانًا يقف مع الظالم ضد المظلوم، أو يفرح بمصاب قومٍ لأنّهم “ليسوا على هواه”، أو يهوّن من دمٍ ودمعةٍ وحقٍّ ظاهر… فاعلم أنّ القضية غالبًا ليست “معلومة ناقصة” فحسب، بل هي بوصلة داخلية مختلّة؛ بوصلة لو صلحت لاستحيا صاحبها أن يجمّل الباطل أو يزين الظلم.

إنها مسألة “شاكلة” قبل أن تكون مسألة “تحليل”.

ومسألة “تزكية قلب” قبل أن تكون مسألة “انتصار رأي”.

فاللهم أصلح قلوبنا، واهدِ بوصلة أرواحنا، واجعلنا ممن إذا اختلفوا لم يظلموا، وإذا غضبوا لم يفسدوا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا تكلموا قالوا التي هي أحسن.



التعليقات