تنويه للقارئ: هذا المقال يمثل قراءة تحليلية تنطلق من تجربة ميدانية، بعيداً عن قيود الخطاب المؤسسي؛ إنه محاولة لتقديم رؤية واقعية تجسر المسافة بين الميدان ومراكز القرار.
جدلية "القلب والعقل" في العمل السياسي
يرى الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) أن التوفيق بين ما يمليه الضمير وما يفرضه الواقع هو التحدي الأكبر للوعي البشري. في عالم السياسة المتقلب، تبرز الحاجة لـ "هندسة الفعل"؛ حيث يتحرك الفرد بفكره وجهده، محتاجاً لـ "بوصلة قيمية" (الغطاء الشرعي والمرجعي) لضمان عدم انزلاق الممارسة نحو العبث.
هذا المقال يفكك العلاقة مع إيران كنموذج تطبيقي لهذه الهندسة في لحظة تاريخية فارقة من عمر المنطقة.
أولاً: الثنائية الجوهرية.. العاطفة مقابل المنطق
لا يمكن بناء تحليل سياسي سليم دون الفصل بين مسارين غالباً ما يختلطان في الوعي الجمعي:
الرؤية الشخصية: وهي النابعة من التجربة المباشرة، الانتماء العاطفي، والخبرة الميدانية.
الرؤية المنطقية: التي ترتكز على لغة المصالح، الجغرافيا السياسية، والمعايير الموضوعية الثابتة.
إن تغليب المنطق لا يعني التخلي عن المبدأ، بل هو استجابة لمقولة كونفوشيوس (551-479 ق.م): "من ينتصر على نفسه عظيم"؛ والعظمة تكمن في القدرة على اتخاذ القرار الصحيح، حتى لو خالف الهوى الشخصي.
ثانياً: الجغرافيا لا الطائفة.. وحدة المصير الحتمية
"الناسُ أعداءُ ما جَهِلوا" .
اختصار العلاقة العراقية-الإيرانية في البعد الطائفي المحض خطأ استراتيجي. الحقيقة الجيوسياسية تؤكد أن العراقيين بكافة مكوناتهم (سنة، شيعة، مسيحيين، إيزيديين، صابئة) يتقاسمون مع الجارة الشرقية قدراً جغرافياً وتاريخياً لا فكاك منه؛ إنها علاقة "مصير مشترك" تفرضها الحدود والمصالح قبل المذاهب.
ثالثاً: خارطة التهديدات.. هل العراق استثناء؟
هل انكسار إيران يخدم المصلحة العراقية؟ بالنظر إلى العقيدة الصهيونية، نجد أن العراق مدرج فعلياً ضمن ما يسمى "محور الشر"، والاعتداءات المتكررة على سيادتنا وقواتنا الأمنية تثبت أننا جزء من بنك الأهداف. وهنا تبرز الواقعية السياسية (المدرسة التي أسسها مفكرون مثل هانز مورغنثاو). فالحرب اليوم يقودها كيان يرى في استقرار العراق خطراً وجودياً عليه.
ملاحظة: الحشد الشعبي مؤسسة وطنية المنشأ والقرار، وحماية الأرض هي فرض عين نابع من صلب العقيدة الوطنية.
رابعاً: البُعد الإنساني وأخلاقيات "الحرب العادلة"
بتبني نظرية توماس الأكويني (1225-1274) حول "الحرب العادلة" (Just War Theory)، فإن الدفاع عن النفس هو الشرط الأول لشرعية الصراع. وحين يستهدف مشروع استعماري الأبرياء، يصبح الموقف الإنساني معياراً للنبل الأخلاقي.
وكما ورد في الحديث النبوي الشريف (رواه الحر العاملي في وسائل الشيعة): "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، قيل: يا رسول الله كيف أنصره ظالماً؟ قال: "تردّه عن ظلمه، فذلك نصرك إيّاه".
خامساً: توضيح شخصي.. ثبات الأيديولوجيا
أتمسك بجوهر آرائي السابقة، لكنني اليوم أتحدث بحرية بعيداً عن بروتوكول "رجل الدولة". تبقى المرجعية الدينية هي البوصلة، وكما ورد عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) في (أصول الكافي للشيخ الكليني): "العقل غطاءٌ سَتِير، والفضل جمال ظاهر، فاستر خَلَل خُلقك بفضلك، وقاتل هواك بعقلك".
سادساً: "الدرس الإيراني" في النضج الوطني
قدم الشعب الإيراني نموذجاً في الفصل بين "الاعتراض الداخلي" وبين "الاصطفاف خلف الدولة" ضد التهديد الخارجي. هذا النضج هو ما نحتاجه في العراق؛ أن نختلف كشركاء، ونلتحم كبنيان مرصوص أمام الخطر.
سابعاً: رسائل الصراحة للمؤثرين في طهران
من باب النصيحة الصادقة، نكاشفكم بحقائق أفرزتها المرحلة:
1- رهان الساسة الفاشل: المراهنة على نخب سياسية عراقية خذلت شعبها وحلفاءها هو رهان خاسر.
2- أولوية الشعوب: الشعب العراقي هو الطرف "الأصيل" والوفي، وهو من يجب الرهان عليه.
3- احترام الخصوصية: "اتركوا شأن العراق لأبنائه". التدخلات المفرطة تنتج ردود فعل عكسية. ندعو لعلاقة قوامها الاحترام المتبادل لا "الوصاية".
خاتمة: عهد ما بعد الحرب
"ما بعد الحرب ليس كما قبلها"؛ الأزمات هي المختبر الحقيقي للمعادن، وقد كشفت الحرب الوجوه. والحكيم من يستخلص العبر. نحن ناصحون محبون، نؤمن بأن قوتنا وقوة جيراننا تكمن في صدق التعامل ووضوح الرؤية.
"ليس الخبر كالعيان، ولا النصيحة كالخذلان".