عندما رحل ستيف جوبز عن قيادة "أبل" في 2011، توجهت الأنظار بقلق إلى خليفته تيم كوك، الذي وجد نفسه أمام مهمة شبه مستحيلة: قيادة شركة بناها أحد أعظم رواد التكنولوجيا في التاريخ.
وتولى كوك المنصب رسمياً في أغسطس 2011، قبل وفاة جوبز بشهرين، لكنه لم يحاول أن يكون نسخة مكررة من سلفه، بل اختار أسلوباً مختلفاً قائماً على الإدارة الهادئة والقرارات الاستراتيجية طويلة المدى.
قبل توليه المنصب، كان كوك مسؤولاً عن العمليات اليومية داخل "أبل"، وهو الدور الذي أوكله إليه جوبز خلال فترات غيابه بسبب المرض. ومع رحيل المؤسس، أصبح كوك الرجل الأول في الشركة، وسط شكوك واسعة حول قدرته على الحفاظ على زخم الابتكار.
وخلافاً لرؤية جوبز، اتخذ كوك قرارات حاسمة لمواجهة المنافسة خصوصاً من أجهزة أندرويد، حيث بدأ بتكبير شاشات هواتف آيفون تدريجياً. فقام بإطلاق آيفون 5 بشاشة 4 بوصات، ثم آيفون 6 و6 Plus بأحجام 4.7 و5.5 بوصة. ولاحقاً، قاد التحول نحو شاشات OLED، واستبدال بصمة الإصبع “Touch ID” بتقنية التعرف على الوجه “Face ID” في هاتف iPhone X.
ولم يكتفِ كوك بالحفاظ على منتجات أبل، بل وسّعها بإطلاق فئات جديدة، أبرزها Apple Watch التي تحولت من منتج فاخر إلى جهاز صحي منقذ للحياة، ومكبر الصوت الذكي HomePod، ونظارة الواقع المختلط Apple Vision Pro. ورغم الإشادة بتقنيات Vision Pro، إلا أن سعرها المرتفع (3500 دولار) حدّ من انتشارها، كما تعرض كوك لانتقادات بسبب تأخر "أبل" في سباق الذكاء الاصطناعي.
أحد أبرز إنجازات كوك كان تقليل اعتماد "أبل" على مبيعات الأجهزة، عبر التوسع في قطاع الخدمات منذ 2016، والذي أصبح ثاني أكبر مصدر للإيرادات بعد آيفون.
ومن أبرز خدمات "أبل": App Store، Apple Music، Apple TV+، Apple Pay، Apple News+، Apple Podcasts. هذا التوجه ساعد الشركة على تحقيق إيرادات مستقرة عبر الاشتراكات، حتى مع تباطؤ نمو مبيعات الهواتف.
وخلال فترة قيادة كوك، حققت "أبل" قفزة هائلة: ارتفاع قيمة الشركة من 350 مليار دولار إلى نحو 4 تريليونات دولار، ونمو سهم الشركة بنحو 1900%.
تميز كوك بأسلوب قيادي هادئ، مكنه من تجاوز أزمات مثل “Batterygate” و“Bendgate”، مع الحفاظ على استقرار الشركة وتعزيز ثقة المستثمرين.
ومع اقتراب رحيله، تستعد "أبل" لفتح صفحة جديدة بقيادة جون تيرنوس، الذي سيتولى المنصب في سبتمبر 2026. ونجح تيم كوك في إثبات أن القيادة لا تعني دائمًا الكاريزما الصاخبة، بل قد تكون في "اليد الثابتة" التي تقود السفينة بثبات وسط العواصف، تاركاً وراءه إرثاً مالياً واستراتيجياً يصعب تجاهله في تاريخ "أبل".
المحرر: عمار الكاتب